السيد كمال الحيدري
168
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
« إنّ الله عزّ وجلّ قدّر المقادير ودبّر التدابير قبل أن يخلق آدم بألفي عام » « 1 » ، وفى آخر : « قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة » « 2 » . ففي الحديث إشارة إلى أنّ الله سبحانه قد خلق العالم وأرساه على نظام مخصوص وقانون محدّد ؛ القدر والقضاء جزءان لا ينفكّان من بنيانه التكويني . على أنّ المسألة تكتسب طابعاً أوضح عند العودة إلى كتاب الله فيما تنصّ عليه آياته من أنّ عالم التكوين يستند إلى سنن إلهية لا يطالها التبديل أو التغيير « 3 » ، كما في قوله سبحانه : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ
--> ( 1 ) التوحيد ، كتاب التوحيد ، باب القضاء والقدر ، ح 22 ، ص 376 . ( 2 ) المصدر السابق ، الكتاب والباب نفسه ، ح 7 ، ص 368 . ( 3 ) للسنن خلفية عريقة في فكر المسلمين ، بيدَ أنّ ذلك لم يمنع من ازدهارها خلال القرن الأخير إذ لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب التفسير أو الفكر العام ذي الصلة بقضايا المجتمع والتغيير وفلسفة التأريخ . على مستوى التفسير ضمّت مشروعات محمّد عبده وعبد الحميد بن باديس ومحمد حسين الطباطبائي والطاهر بن عاشور بحوثاً لامعة على هذا الصعيد . أمّا على مستوى الفكر الاجتماعي وفلسفة التأريخ ، فمن الحرىّ الإشارة إلى : تفسير التأريخ ، عبد الحميد صديقي ( ترجمة د . كاظم الجوادى ، الكويت ، ط 2 ، 1980 ) وهى محاولة رائدة كتبت بالانكليزية وصدرت مطلع الخمسينيّات لتكون بمنزلة البذرة التأسيسيّة لهذا النحو من التنظير في ثقافة الإسلاميّين المعاصرة . كذلك التفسير الإسلامي للتأريخ ، د . عماد الدين خليل ( بيروت ، دار العلم للملايين ، ط 4 ، 1983 ) . ثمّ جاءت محاولة السيّد محمّد باقر الصدر : السنن التأريخية في القرآن التي صدرت في إطار : المدرسة القرآنية ( بيروت ، دار التعارف ، 1400 ه ) ، وكذلك : المجتمع والتأريخ ، الشيخ مرتضى مطهرى ، تعريب محمّد على آذرشب ، مؤسسة البعثة ، طهران ، 1402 ه . أمّا بعد هذا التأريخ فقد صدرت عشرات الكتب ومئات البحوث في هذا الاتجاه في مشرق العالم الإسلامي ومغربه ، وبلغات مختلفة ، حتّى غدت ثقافة السنن من أكثر العناصر ذيوعاً واستقراراً في ثقافة الإسلاميّين المعاصرة .